
بقلم حازم علي أدهم
في زمن تتحول فيه الشاشة إلى سلاح والمعلومة إلى قنبلة يظهر عالم خفي يعرف بالدارك ويب أو الويب المظلم وهو الوجه الخفي للإنترنت الذي لا تصل إليه محركات البحث ولا يعرفه سوى من يغوص في أعماق الشبكات المشفرة هناك حيث تسقط القوانين وتباع الأسرار تدار تجارة السلاح والمخدرات والبيانات المسروقة وتنسق جرائم لا تترك أثرا على الأرض
الوجه الخفي للإنترنت
تشير التقارير التقنية إلى أن الإنترنت الذي نستخدمه يوميا لا يمثل سوى ستة في المئة فقط من حجم الشبكة الكلية بينما يحتل الإنترنت العميق والدارك ويب أكثر من أربعة وتسعين في المئة من الفضاء الرقمي العالمي ويعد الدارك ويب الجزء الأخطر من هذا الفضاء إذ يدير معاملات غير مشروعة تفوق قيمتها مليار وسبعمائة مليون دولار سنويا وفقا لتقديرات تشين أناليسيس المتخصصة في تتبع العملات المشفرة
منذ عام ألفين وثلاثة عشر أغلقت السلطات الدولية أكثر من عشرين سوقا سوداء رقمية مثل سيلك رود وألفا باي وهيدرا ماركت بعد أن تحولت إلى أسواق عالمية للمخدرات والبيانات والجرائم الإلكترونية العابرة للقارات
ماذا يحدث داخل الظلام
في هذا العالم لا وجوه ولا أسماء حقيقية فقط رموز مشفرة وشبكات خفية تباع بيانات بطاقات الائتمان وجوازات السفر وتعرض خدمات الهاكرز للإيجار بأسعار تبدأ من مئة دولار لتدمير حساب أو سرقة بيانات شركة كاملة بل إن بعض المواقع تقدم خدمات اغتيال مأجورة أو تجارة في أعضاء بشرية كشفتها تحقيقات أوروبية عام ألفين وثلاثة وعشرين أظهرت أن كلية بشرية واحدة كانت تباع بمبلغ يصل إلى ثمانين ألف دولار عبر هذه المنصات وفي العام التالي ضبطت وكالة يوروبول صفقة مخدرات عبر الدارك ويب تجاوزت خمسين مليون يورو وأكدت أن أكثر من ستين في المئة من أنشطة الويب المظلم ترتبط بجرائم منظمة تشمل الإرهاب وتمويل التطرف وغسيل الأموال
التكنولوجيا في خدمة الجريمة
يستخدم تجار الدارك ويب أدوات متطورة مثل شبكة تور وتقنيات في بي إن متعددة الطبقات إلى جانب خوادم موزعة عبر عدة دول لتفادي التتبع الأمني العملة المفضلة هناك هي البيتكوين إذ يتم تنفيذ أكثر من خمسة وتسعين في المئة من المعاملات في الويب المظلم عبر العملات المشفرة التي تضمن إخفاء الهوية وتتيح تحويلات مالية غير قابلة للتتبع بسهولة
مصر العين الساهرة في مواجهة الظلام
في وسط هذا المشهد العالمي المظلم تبرز مصر كواحدة من الدول القليلة التي وضعت خطة وطنية شاملة للأمن السيبراني لمواجهة أخطر صور الجريمة الإلكترونية فمنذ عام ألفين وثمانية عشر أطلقت الدولة المجلس الأعلى للأمن السيبراني تحت إشراف وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات بالتعاون مع القوات المسلحة ووزارة الداخلية وهيئة الرقابة الإدارية لتأسيس منظومة دفاع رقمي وطنية وفي عام ألفين وعشرين دشنت مصر الاستراتيجية الوطنية للأمن السيبراني التي تهدف إلى حماية البيانات الحساسة للدولة والمؤسسات الحيوية من أي اختراق أو نشاط مشبوه على الإنترنت العميق كما أنشأت الدولة مركز الاستجابة لطوارئ الحاسب إي جي سيرت وهو غرفة عمليات رقمية تعمل أربعاً وعشرين ساعة لمراقبة التهديدات وتحليلها والتعامل الفوري مع أي هجوم سيبراني بالتعاون مع الإنتربول الدولي والاتحاد الدولي للاتصالات
إنجازات أمنية مصرية حقيقية
نجحت الأجهزة الأمنية المصرية خلال السنوات الثلاث الأخيرة في تنفيذ أكثر من مئة وعشرين عملية نوعية ضد شبكات إلكترونية تعمل عبر الدارك ويب تم خلالها إغلاق مئتي موقع مشبوه كانت تستخدم في تجارة المخدرات والبيانات والبرمجيات الخبيثة وضبط عناصر داخل البلاد كانت تتواصل مع خوادم في الخارج لتسهيل عمليات احتيال وغسيل أموال رقمية وفي عام ألفين وأربعة وعشرين تمكنت الإدارة العامة لتكنولوجيا المعلومات من تفكيك شبكة كانت تستغل الدارك ويب لترويج أفكار انتحارية ومخدرات رقمية تستهدف الشباب المصري في واحدة من أكبر العمليات الإلكترونية بالمنطقة
المرصد القومي للأمن الرقمي
في العاصمة الإدارية الجديدة أنشأت مصر المرصد القومي للأمن الرقمي كأول مركز وطني متكامل لرصد الأنشطة الإلكترونية المشبوهة يعتمد المرصد على تقنيات الذكاء الاصطناعي والتحليل الفوري للبيانات قادر على معالجة أكثر من ملياري معلومة في الثانية لاكتشاف أي سلوك غير طبيعي قد يشير إلى هجوم سيبراني أو نشاط دارك ويب
التشريعات المصرية قبضة قانونية حديدية
لم تكتف مصر بالحلول التقنية بل عززت المواجهة بإطار قانوني صارم إذ أقر البرلمان قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم مئة وخمسة وسبعين لسنة ألفين وثمانية عشر الذي ينص على عقوبات تصل إلى السجن المشدد وغرامات تبلغ خمسة ملايين جنيه لكل من ينشئ أو يدير موقعا إلكترونيا يهدد الأمن القومي أو يستخدم الشبكات المشفرة في أعمال غير مشروعة وفي عام ألفين وثلاثة وعشرين تم تعديل بعض بنوده لتشديد العقوبات على من
يستخدم العملات الرقمية في تمويل الإرهاب أو الأنشطة المجهولة المصدر
الوعي السلاح الأول في المعركة
تدرك الدولة أن الحرب ضد الدارك ويب ليست فقط أمنية بل فكرية وثقافية أيضا ولهذا أطلقت وزارات الاتصالات والتعليم والشباب حملات توعوية مثل مبادرة اعرف قبل ما تدخل لتثقيف الأجيال الجديدة حول مخاطر الإنترنت الخفي وطرق الحماية من الاختراق والاستغلال الإلكتروني كما تم إدراج مفاهيم الأمن السيبراني ضمن المناهج التعليمية في الجامعات المصرية وإنشاء معامل تدريب على الأمن الرقمي في مراكز الشباب والمدارس الثانوية
مصر في التحالف السيبراني العالمي
لم تتوقف مصر عند حدودها بل انضمت إلى التحالف العربي للأمن الرقمي وتلعب دور القيادة فيه لتوحيد جهود الدول العربية في مواجهة التهديدات السيبرانية المشتركة وفي عام ألفين وثلاثة وعشرين استضافت القاهرة المنتدى العربي للأمن السيبراني بمشاركة سبعٍ وعشرين دولة عربية وأجنبية وتم خلاله الإعلان عن مركز إقليمي لمكافحة الجرائم الإلكترونية مقره مصر ليكون مركز رصد وتحليل للتهديدات على مستوى الشرق الأوسط وشمال إفريقيا كما صنف الاتحاد الدولي للاتصالات مصر في المرتبة الأولى عربيا وإفريقيا والخامسة والثلاثين عالميا في مؤشر الجاهزية لمواجهة الهجمات السيبرانية لعام ألفين وأربعة وعشرين
معركة لا تنتهي
الدارك ويب ليس موقعا يمكن حجبه بل منظومة تتجدد كل يوم بأسماء جديدة وخوادم مخفية في أماكن مختلفة من العالم لكن مصر اختارت المواجهة الذكية القائمة على الرصد والتحليل والردع والتوعية لتكون حائط الصد الأول في المنطقة ضد أخطر تهديد رقمي يواجه البشرية في القرن الحادي والعشرين
كلمة أخيرة
قد يبدو الإنترنت المظلم بعيدا عن حياتنا اليومية لكنه في الحقيقة قريب جدا من كل جهاز وهاتف متصل بالشبكة ومع استمرار تصاعد الحروب السيبرانية تثبت مصر أن السيادة الرقمية لا تقل أهمية عن السيادة على الأرض وأن حماية المواطن تبدأ من حماية المعلومة وبينما تتخبط دول كثيرة في مواجهة الجريمة الإلكترونية تمضي مصر بثبات وثقة في معركتها ضد عالم الظلام الرقمي لتؤكد للعالم أن أمنها السيبراني جزء لا يتجزأ من أمنها القومي





